محمد أبو زهرة

1180

زهرة التفاسير

إنما هو بالنسبة لنا ، أما علم اللّه تعالى فإنه ليس فيه ظاهر وباطن ، بل العلم كله سواء بالنسبة له سبحانه وتعالى وسيق إثبات علم اللّه تعالى وإحاطته الشاملة في هذا المقام ، لمقام التحذير أيضا ؛ لأن الذين يوالون الكافرين يظنون في أنفسهم ضعفا وقد يظهرون أن ما يفعلون إنما هو تقية وخوف من الكافرين ، والواقع أنهم يفعلون ذلك استخذاء وذلة ، أو تملقا للأقوياء أو مداهنة لهم على أقوامهم ، أو رجاء غرض دنيوي ينالونه ، كما نرى في عصرنا الحاضر ، إذ نجد ناسا يبررون كل خيانة قومية ودينية ، والدخول في ولاية غير المؤمنين بالتقية وحال الضعف ، وما هو إلا ضعف وازع الدين وفقد اليقين ، ورجاء الدنيا الذليلة ، وفرار من العزة والحياة السامية الكريمة حقا وصدقا ؛ فأمر اللّه نبيه أن يبين أنه يعلم ما تخفيه الصدور ، وما تختلج به القلوب ، وما ينوون وما يقصدون ، كما يعلم ما يبدون ويعلنون ، وأن اللّه سبحانه محاسبهم على أعمالهم بنياتهم ، لا بظواهر هذه الأعمال ، ولا بما تتلوى به الألسنة ، وإن كانت مخالفة لما تطويه القلوب . وجعل البيان من النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد أن وجه سبحانه وتعالى الترهيب بذاته العلية ؛ لأن ذلك التنويع من شأنه أن يربى المهابة ، كما يقول ذو السلطان محذرا مخوفا : أحذركم مخالفتي ، ثم يتركه لصفىّ من أصفيائه يبين له مدى سلطانه وقوته وعلمه . وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ في هذا بيان شمول علم اللّه تعالى وشمول قدرته ، فهو يعلم سرائر النفوس وظواهرها ، كما بيّن في الجملة السابقة ، ويعلم الكون وما يجرى فيه من نجوم سارية ، وأفلاك دائرة ، وشمس مشرقة ، وقمر منير ، والسحاب وما تحمل ، والرياح المسخرات بين السماء والأرض ، ويعلم كل الأحوال ، وكل الأزمان ، وكل اللحظات ، وجميع الأوقات ، وما من شئ في هذا الوجود إلا تحت سلطان علمه ، وفي متعلق إرادته ، وفي شمول قدرته ؛ إنه فعال لما يريد ؛ فكيف يتصور من عاقل أن يترك ولاية المؤمنين وهم أولياؤه ، ويدخل في ولاية الكافرين وهم أعداؤه ؟ فإن كانت